لم تعد رحلة التلميذ الجزائري نحو فهم الدروس وحل التمارين مرتبطة حصراً بقسم الدراسة أو بالكتاب المدرسي أو حتى بالدروس الخصوصية، ففي السنوات الأخيرة، فرضت المنصات التعليمية الرقمية نفسها كخيار جديد داخل المشهد التربوي، مستفيدة من الانتشار الواسع للهواتف الذكية والإنترنت، ومن إقبال متزايد على المحتوى التعليمي المصور والتفاعلي.
وبين دروس مسجلة يمكن مشاهدتها في أي وقت، وتمارين تفاعلية، وملخصات ومواضيع امتحانات، وحصص مباشرة يؤطرها أساتذة متخصصون، أصبحت المنصات التعليمية فضاءً موازياً للتعلم بالنسبة إلى شريحة واسعة من التلاميذ، خصوصاً المقبلين على امتحاني شهادة التعليم المتوسط والبكالوريا.
من السبورة إلى الشاشة
ساهم التحول الرقمي في تغيير الطريقة التي يتلقى بها التلميذ الجزائري المعلومة. فبدلاً من انتظار الحصة الموالية لطرح سؤال أو إعادة شرح نقطة لم يفهمها، أصبح بإمكانه العودة إلى الدرس في أي وقت، وإيقاف الفيديو وإعادته أكثر من مرة، والانتقال بين أكثر من أستاذ وطريقة شرح.
وتقدم المنصات الجزائرية محتويات متنوعة تشمل مختلف الأطوار التعليمية، من التعليم الابتدائي إلى الثانوي، إلى جانب منصات جامعية وأخرى موجهة للتكوين المهني.
كما يستفيد كثير من التلاميذ من محتوى تعليمي مجاني متاح عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو، الأمر الذي وسع دائرة الوصول إلى المعرفة خارج حدود المؤسسة التعليمية.
هذا التحول لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بطريقة تفكير جديدة في التعلم؛ إذ أصبح التلميذ قادراً على اختيار توقيت التعلم وسرعته، وإعادة الدرس وفق حاجته، ومقارنة طرق مختلفة لحل المسألة نفسها.
هل عوضت المنصات الدروس الخصوصية؟
رغم الانتشار المتزايد للمنصات التعليمية، فإن القول بأنها أنهت الحاجة إلى الدروس الخصوصية سيكون مبالغاً فيه، فالواقع يشير إلى وجود تعايش بين النموذجين أكثر من وجود قطيعة بينهما.
فالتلميذ الذي يحتاج إلى متابعة فردية، أو يعاني صعوبات متراكمة في مادة معينة، قد يظل بحاجة إلى أستاذ يشرح له وجهاً لوجه، يراقب تقدمه ويكتشف أخطاءه ويتفاعل معه مباشرة. وفي المقابل، يمكن للمنصة أن توفر له مراجعة إضافية، وتمارين أكثر، ودروساً يمكن الرجوع إليها في أي وقت.
كما أن بعض الأسر أصبحت تنظر إلى المنصات باعتبارها بديلاً أقل تكلفة من بعض أشكال الدروس الخصوصية، خصوصاً عندما يكون المحتوى متاحاً مجاناً أو مقابل اشتراك محدود، لكن القرار يختلف من أسرة إلى أخرى، تبعاً للمستوى الدراسي للتلميذ، وطبيعة المادة، وقدرته على التعلم الذاتي.
وبذلك، يبدو أن المنصة التعليمية لم تستطع إلغاء الدرس الخصوصي، لكنها ساهمت في تغيير وظيفته. فقد يأتي التلميذ إلى الأستاذ بعد أن شاهد الدرس رقمياً، لتصبح الحصة الحضورية مخصصة أكثر لمعالجة نقاط الضعف وحل التمارين وتصحيح الأخطاء.
عندما تصبح الشاشة أداة للتأطير
أحد أهم أدوار المنصات التعليمية لا يكمن في تقديم المعلومة فقط، وإنما في مساعدة التلميذ على تنظيم مساره الدراسي. فبعض المنصات توفر برامج للمراجعة، واختبارات دورية، وتصحيحاً للتمارين، ومواضيع امتحانات سابقة، بما يسمح للتلميذ بقياس مستواه والتعرف على نقاط القوة والضعف لديه.
كما يمكن أن تلعب دوراً مهماً في مرافقة التلاميذ الذين يجدون صعوبة في الوصول إلى أساتذة متخصصين، خصوصاً في بعض المناطق التي قد تكون فيها خيارات الدعم التربوي محدودة.
ومن هذه الزاوية، تملك التكنولوجيا قدرة على تقليص جزء من الفوارق المرتبطة بالموقع الجغرافي، شريطة توفر الإنترنت والأجهزة والقدرة على الوصول إلى محتوى تعليمي موثوق.
لكن.. ليست كل منصة مدرسة
ورغم هذه المزايا، فإن الاعتماد على المنصات التعليمية يطرح تحديات لا يمكن تجاهلها. أولها جودة المحتوى، إذ لا يعني وجود درس على الإنترنت بالضرورة أنه دقيق أو مناسب للمناهج الرسمية أو لطريقة تفكير التلميذ.
كما أن وفرة المحتوى قد تتحول أحياناً إلى مشكلة، فالتلميذ الذي ينتقل باستمرار بين عشرات الفيديوهات والأساتذة قد يجد نفسه أمام طرق مختلفة للشرح، من دون امتلاك خطة واضحة للمراجعة.
وهناك أيضاً تحدي الانضباط. فالمنصة تمنح حرية كبيرة، لكن هذه الحرية تتطلب قدرة على تنظيم الوقت والالتزام. وقد يبدأ التلميذ مشاهدة درس تعليمي قبل أن ينتقل إلى محتوى ترفيهي أو شبكات التواصل، لتضيع الغاية الأساسية من استخدام الجهاز.
لذلك، فإن نجاح التعليم الرقمي لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بوجود تأطير تربوي يوجه التلميذ إلى كيفية استخدامها.
الأسرة أمام معادلة جديدة
فرض انتشار المنصات التعليمية على الأسرة الجزائرية دوراً جديداً. فالأولياء لم يعودوا مطالبين فقط بمتابعة نتائج أبنائهم، بل أصبح عليهم أيضاً مساعدتهم على اختيار المصادر المناسبة وتنظيم ساعات الدراسة ومراقبة الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات.
وفي المقابل، يمكن للمنصات أن تمنح الأسرة صورة أوضح عن مستوى التلميذ عندما توفر نتائج الاختبارات ومتابعة التقدم الدراسي. وهنا يمكن أن تتحول التكنولوجيا من وسيلة لتقديم الدروس إلى أداة للتواصل بين التلميذ والأسرة والأستاذ.
نحو نموذج يجمع الأستاذ والمنصة
المستقبل لا يبدو متجهاً بالضرورة نحو استبدال الأستاذ بالمنصة، بل نحو الجمع بين الاثنين، فالأستاذ يمتلك القدرة على التفاعل الإنساني وفهم الصعوبات الفردية وتحفيز التلميذ، بينما تمنح التكنولوجيا إمكانات هائلة في الوصول إلى المحتوى وإعادة الشرح والتدرب والتقييم.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تحل المنصات التعليمية محل الدروس الخصوصية؟ وإنما: كيف يمكن توظيفها إلى جانب المدرسة والأستاذ والأسرة لبناء منظومة أكثر فعالية؟
في الجزائر، يبدو أن المنصات التعليمية أصبحت بالفعل جزءاً من الحياة الدراسية اليومية لعدد متزايد من التلاميذ، لكنها، في الوقت نفسه، لا تزال أداة تحتاج إلى حسن الاستخدام والانتقاء والتأطير. وبين شاشة الحاسوب وسبورة القسم، يتشكل نموذج تعليمي جديد، لا يلغي الأستاذ ولا ينهي الدروس الخصوصية، وإنما يعيد رسم العلاقة بين التلميذ والمعرفة وطرق الوصول إليها.

