الإنجليزية تتقدم نحو الصدارة في الابتدائي
تشهد المنظومة التربوية في الجزائر توجهاً جديداً يعيد النظر في طريقة تدريس اللغات الأجنبية في الطور الابتدائي، ضمن مقاربة إصلاحية شاملة تهدف إلى إعادة ضبط موقع هذه اللغات داخل المسار الدراسي، وتكييفها مع قدرات التلميذ في السنوات الأولى من التمدرس. ويقوم هذا التوجه على فكرة الانتقال من التعدد اللغوي المبكر إلى التدرج اللغوي، بما يسمح بتحسين جودة التعلمات وتخفيف الضغط المعرفي على المتعلم.
وفي هذا السياق، أعلن وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي عن توجه لمراجعة تدريس اللغات الأجنبية في السنة الثالثة ابتدائي، مع إمكانية إعادة هيكلة هذا المسار بما قد يفضي إلى الاكتفاء بلغة أجنبية واحدة في هذه المرحلة. ويستند هذا الطرح إلى معطيات بيداغوجية أظهرت صعوبة نسبية لدى التلاميذ في استيعاب لغتين أجنبيتين متقاربتين في آن واحد من حيث الحروف وبعض الجوانب النطقية، وهو ما يستدعي إعادة ترتيب الأولويات التعليمية.
وتشير التوجهات الجديدة إلى أن إدراج اللغة الثانية قد يتم تأجيله إلى مستويات لاحقة مثل السنة الرابعة أو الخامسة ابتدائي، بما يتيح بناء قاعدة لغوية أكثر استقراراً قبل الانتقال إلى التعدد اللغوي. وتعتمد هذه المقاربة على مبدأ التدرج الزمني بدل التزامن اللغوي، بما يتماشى مع الخصائص العمرية والمعرفية للتلميذ في هذه المرحلة.
كما أوضح الوزير أن الدراسات التربوية بينت أن قدرة التركيز لدى تلاميذ الطور الابتدائي، خصوصاً في المواد العلمية، تبقى محدودة زمنياً ولا تتجاوز في كثير من الحالات نصف ساعة، وهو ما يفرض إعادة النظر في تنظيم الزمن البيداغوجي وتوزيع المحتويات التعليمية بشكل أكثر مرونة وتكيفاً مع الواقع المدرسي.
ويحافظ هذا التوجه على موقع اللغتين العربية والأمازيغية باعتبارهما لغتين وطنيتين ورسميتين في صدارة التعلمات، حيث تشكلان الإطار التأسيسي لبناء المعارف داخل المدرسة. في المقابل، يتم إدراج اللغات الأجنبية ضمن مسار تدريجي يأخذ بعين الاعتبار التوازن بين الهوية اللغوية والانفتاح على اللغات العالمية.
وتبرز ضمن هذا التصور مكانة اللغة الإنجليزية التي يجري تعزيزها بشكل متدرج لتأخذ موقعاً محورياً داخل المنظومة التربوية، باعتبارها لغة علمية وعالمية، خاصة مع تزايد اعتمادها في التعليم العالي والبحث العلمي. ويعكس هذا التوجه رغبة في ضمان استمرارية لغوية بين التعليم المدرسي والجامعي، بما يجعل الإنجليزية جزءاً من مسار معرفي متصل دون انقطاع.
وفي المقابل، تبقى اللغة العربية في موقعها المركزي داخل النظام التربوي، سواء من حيث الحجم الساعي أو من حيث اعتمادها كلغة تدريس في مختلف المواد، ما يعزز دورها كلغة تأسيس معرفي داخل المدرسة الجزائرية، تشكل القاعدة التي تُبنى عليها باقي التعلمات.
كما تمتد هذه الرؤية إلى مرحلة التعليم الثانوي، حيث يوفر النظام القائم على الشعب والتخصصات فضاء أوسع لتعميق دراسة اللغات الأجنبية، خاصة من خلال شعبة اللغات الأجنبية وشعبة الآداب والفلسفة، إضافة إلى تدريسها في الشعب الأخرى وفق الحجم الساعي المعتمد، مع توجه متزايد نحو تعزيز حضور اللغة الإنجليزية.
وفي هذا الإطار، تم إدراج لغات أخرى مثل الإسبانية والألمانية والإيطالية ضمن مسارات التكوين اللغوي، بما يعكس انفتاح السياسة التعليمية على محيطها الدولي، وارتباطها بالتحولات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية. ويؤكد هذا التوسع أن اختيار اللغات لم يعد قراراً بيداغوجياً صرفاً، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بحاجات التعاون الدولي ومجالات التبادل المعرفي.
وتندرج هذه الإصلاحات ضمن رؤية أوسع تعتبر أن السياسة اللغوية جزء من مشروع استراتيجي للدولة، يأخذ بعين الاعتبار موقع اللغات في الاقتصاد العالمي والمعرفة العلمية، بما يجعل من اللغة أداة إدماج في محيط دولي متغير، وليس مجرد مادة تعليمية داخل القسم.
وتتجه ملامح هذا الإصلاح إلى إعادة صياغة العلاقة بين المتعلم واللغة داخل المدرسة، من خلال ترسيخ منطق التدرج بدل التعدد المبكر، وتوسيع الخيارات اللغوية في المستويات التعليمية الأعلى، بما يحقق توازناً بين بناء الكفاءة اللغوية وجودة التملك الفعلي للغات، في إطار نموذج تربوي جديد يقوم على النجاعة البيداغوجية والاستجابة لمتطلبات العصر.

