مع انطلاق امتحانات شهادة البكالوريا دورة 2026، كشفت وزارة التربية الوطنية عن جملة من التدابير الجديدة الرامية إلى ضمان نزاهة الامتحان الوطني وتأمينه، في إطار مقاربة شاملة تجمع بين التنظيم المحكم، والتوعية، والاستعانة بالتقنيات الحديثة لمحاربة الغش وتسريب المواضيع، مع الحرص في الوقت ذاته على توفير أفضل الظروف النفسية والتنظيمية للمترشحين عبر مختلف ولايات الوطن.
وفي هذا السياق، أكد وزير التربية الوطنية، محمد صغير سعداوي، خلال إشرافه على إعطاء إشارة انطلاق الامتحانات من ولاية تيزي وزو، أن دورة البكالوريا لهذه السنة تعرف اعتماد إجراءات جديدة أكثر مرونة وفعالية، أبرزها تعديل آلية قطع خدمة الإنترنت، حيث تم حصر الانقطاع هذه السنة داخل مراكز إجراء الامتحانات فقط، خلافاً للسنوات الماضية التي كان فيها القطع يشمل محيط المراكز أيضاً.
وأوضح الوزير أن هذا الإجراء يسمح للمواطنين والمؤسسات والإدارات باستغلال خدمة الإنترنت بشكل عادي دون تسجيل اضطرابات أو انقطاعات واسعة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الإجراءات التقنية الضرورية لتأمين الامتحانات ومنع أي محاولات للغش أو تسريب المواضيع داخل مراكز الإجراء.
جاهزية تقنية متقدمة لرصد محاولات الغش
وشدد المسؤول الأول عن القطاع على أن مؤسسات الدولة بلغت مستوى متقدماً من الجاهزية التنظيمية والتقنية في مجال تأمين الامتحانات الرسمية، مبرزاً أن مختلف الأجهزة والأنظمة المعتمدة أصبحت قادرة على رصد أي محاولة للمساس بنزاهة البكالوريا، سواء تعلق الأمر بتصوير المواضيع أو نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو استعمال وسائل الاتصال الحديثة داخل مراكز الإجراء.
وأكد الوزير أن هذه الوسائل التقنية الحديثة تسمح بتحديد هوية المتورطين والتدخل الفوري بالتنسيق مع الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، غير أنه أوضح أن الهدف من هذه الإجراءات ليس العقاب في حد ذاته، بل حماية مصداقية الشهادات الوطنية وضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
وأضاف أن الرهان الأساسي للوزارة يبقى على التربية والتوعية أكثر من العقوبات، مشيراً إلى أن الوصول إلى المتابعات القضائية أو العقوبات السالبة للحرية يبقى خياراً استثنائياً، لأن الهدف الأساسي يتمثل في حماية مستقبل التلاميذ ومرافقتهم نحو النجاح في ظروف سليمة وآمنة.
حملة وطنية للتحسيس بمخاطر الهواتف داخل مراكز الامتحان
وفي إطار الإجراءات الوقائية المعتمدة، كشف سعداوي عن إطلاق حملة وطنية واسعة للتحسيس بخطورة استعمال الهواتف النقالة ووسائل الاتصال الحديثة داخل مراكز الإجراء، سواء من طرف المترشحين أو المؤطرين، مذكراً بأن إدخال الهاتف إلى قاعة الامتحان أو تصوير المواضيع ونشرها عبر الإنترنت يعد مخالفة خطيرة يعاقب عليها القانون.
وأشار الوزير إلى أن المترشحين يخضعون عند دخولهم مراكز الامتحان لعمليات مراقبة عبر كواشف المعادن، مع توفير ترتيبات خاصة تسمح لهم بإيداع هواتفهم النقالة لدى خلايا استقبال مخصصة عند مداخل المراكز واسترجاعها مباشرة بعد انتهاء الاختبارات.
كما أكد أن منع استعمال الهواتف يشمل جميع المتدخلين داخل مراكز الامتحان، بما في ذلك أطقم الحراسة والإدارة والمؤطرون، حفاظاً على نزاهة الامتحان وضماناً لمبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع.
وثمّن الوزير في هذا الإطار المبادرات التوعوية التي أطلقها الأساتذة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها حملة “من أجل بكالوريا نزيهة”، معتبراً أنها تعكس روح المسؤولية والحرص المشترك على حماية مصداقية الامتحان الوطني.
تعبئة وطنية لضمان السير الحسن للبكالوريا
وأكد وزير التربية الوطنية أن جميع الترتيبات التنظيمية واللوجستية الخاصة بالبكالوريا قد استُكملت بالتنسيق مع مختلف القطاعات الوزارية والهيئات الشريكة، على غرار وزارة الداخلية والجماعات المحلية ووزارة الدفاع الوطني وقطاع النقل والشؤون الدينية والشباب.
وأوضح أن عملية نقل مواضيع الامتحان نحو مختلف الولايات، خاصة ولايات الجنوب، تمت وفق ترتيبات دقيقة وإجراءات أمنية مشددة تضمن وصول المواضيع إلى الغرف المؤمنة على مستوى مديريات التربية في الآجال المحددة وبأقصى درجات الحماية والسرية.
وأشار الوزير إلى أن دورة 2026 تعرف مشاركة 876 ألفاً و172 مترشحاً، منهم أكثر من 588 ألف متمدرس و287 ألف مترشح حر، إضافة إلى أكثر من 7 آلاف مترشح من نزلاء المؤسسات العقابية، موزعين عبر 2973 مركز إجراء عبر كامل التراب الوطني.
وأضاف أن جميع هذه المراكز جُهزت بالوسائل البشرية والمادية الضرورية، مع توفير فضاءات للراحة والمرافقة خلال الفترات الفاصلة بين الاختبارات، سواء عبر فتح المساجد ودور الشباب أو وضع المؤسسات التربوية المجاورة تحت تصرف التلاميذ لاستعادة التركيز ومواصلة الامتحانات في ظروف مريحة.
رسالة دعم وتحفيز للمترشحين
وفي رسالة طمأنة للتلاميذ وأوليائهم، أكد الوزير أن مواضيع البكالوريا ستكون ضمن ما تلقاه التلاميذ من دروس داخل المؤسسات التعليمية، داعياً المترشحين إلى الثقة في مكتسباتهم العلمية والتركيز على التحصيل والاجتهاد والابتعاد عن الإشاعات والتوقعات المغلوطة المتداولة عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي.
كما كشف سعداوي أنه يتابع الامتحانات ليس فقط بصفته وزيراً للتربية، وإنما أيضاً كأب جزائري، موضحاً أن ابنيه التوأمين اجتازا امتحان شهادة التعليم المتوسط هذا الموسم، فيما يستعد ابنه الآخر لاجتياز امتحان البكالوريا في شعبة الرياضيات، وهو ما يجعله يعيش نفس الانشغالات التي يعيشها الأولياء عبر الوطن.
وأكد أن المسؤولية الملقاة على عاتق الأسرة التربوية تتجاوز مجرد تنظيم الامتحانات، لتشمل المساهمة في صناعة أجيال المستقبل وتكوين كفاءات قادرة على قيادة مختلف قطاعات البلاد، مشدداً على أن نجاح الامتحان يرتكز على معادلتين أساسيتين: ضمان التكفل الأمثل بالمترشحين، وتأمين الامتحان وحماية نزاهته ومصداقيته.
تيزي وزو نموذج للتفوق والاجتهاد
وعن سر تفوق ولاية تيزي وزو في الامتحانات الرسمية، أوضح الوزير أن النتائج المتميزة التي تحققها الولاية تعود إلى تضافر جهود مختلف الفاعلين في المنظومة التربوية، من تلاميذ وأولياء وأساتذة وإداريين، إلى جانب ترسيخ ثقافة الاجتهاد والمثابرة داخل الوسط المدرسي.
وأكد أن دور الأسرة يبقى محورياً في دعم التلميذ وتوفير الظروف الملائمة للتحصيل العلمي، داعياً إلى تعميم التجارب الناجحة بين الولايات من خلال مبدأ التوأمة وتبادل الخبرات، بما يسمح بالارتقاء بالمستوى التربوي الوطني وتحقيق نتائج أفضل مستقبلاً.
وختم وزير التربية الوطنية بالتأكيد على أن الهدف من كل هذه الإجراءات ليس الردع فقط، بل حماية التلاميذ وضمان اجتيازهم لامتحان البكالوريا في أجواء يسودها الهدوء والشفافية والإنصاف، بما يسمح لكل مترشح بإبراز قدراته الحقيقية وتحقيق النتائج التي يستحقها.

