لم يعد دور الجامعة الجزائرية يقتصر على التكوين الأكاديمي وإنتاج البحوث العلمية، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى فاعل اقتصادي حقيقي قادر على تمويل الابتكار وصناعة القيمة المضافة والمساهمة المباشرة في التنمية الوطنية. وفي هذا السياق، شكّل منح أول اعتماد في الجزائر لشركة استثمار برأسمال مخاطر ذات طابع جامعي، بالتنسيق مع جامعة الجزائر 3، حدثاً مفصلياً يعكس التحولات العميقة التي يشهدها قطاع التعليم العالي والبحث العلمي خلال السنوات الأخيرة.
الخطوة التي أشرف عليها وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري، رفقة وزير المالية عبد الكريم بوالزرد، لا تُقرأ فقط باعتبارها إجراءً إدارياً أو مالياً، بل باعتبارها بداية فعلية لمرحلة جديدة تنتقل فيها الجامعة الجزائرية من موقع “المستهلك للميزانية” إلى فضاء منتج للثروة ومساهم في هندسة التمويل الوطني واقتصاد المعرفة.
الجامعة الجزائرية تغيّر موقعها داخل الاقتصاد الوطني
الرسائل التي حملتها تصريحات وزير التعليم العالي بدت واضحة في التأكيد على أن الجامعة لم تعد مجرد مؤسسة للتدريس، وإنما أصبحت جزءاً من الرؤية الاقتصادية للدولة الجزائرية للفترة 2024-2029، خاصة في ما يتعلق بالاقتصاد الرقمي والاقتصاد المعرفي والابتكار.
حديث الوزير عن تحويل نتائج البحث العلمي “من المخابر إلى السوق” يكشف أن الرهان الحقيقي لم يعد عدد البحوث والمنشورات، بل قدرة الجامعة على تحويل الأفكار إلى مؤسسات ناشئة، وإلى مشاريع اقتصادية تخلق مناصب شغل وقيمة مضافة. وهو تحول استراتيجي يعكس توجهاً جديداً يقوم على ربط الجامعة بالمحيط الاقتصادي والمالي والصناعي.
كما أن إشراف وزارة المالية على هذه المبادرة يحمل دلالة مهمة، لأن الأمر يتعلق بإدماج الجامعة لأول مرة في المنظومة الاستثمارية والمالية الرسمية للدولة، وفق آليات السوق والرقابة والحوكمة الاقتصادية، وليس فقط عبر التمويل العمومي التقليدي.
“صندوق الصناديق”.. نموذج جديد لتمويل الابتكار
القراءة الأعمق للمشروع تكشف أن الأمر يتجاوز إنشاء شركة استثمار عادية، نحو بناء منظومة تمويل متكاملة للابتكار الجامعي. فالشركة التي حصلت على اعتماد “كوصوب” برأسمال يناهز 188.8 مليون دينار، ستكون بمثابة “صندوق الصناديق” القادر على تسيير صناديق أخرى متخصصة وتمويل المؤسسات الناشئة والمشاريع الابتكارية داخل الوسط الجامعي.
هذا النموذج، الذي تحدث عنه البروفيسور خالد رواكسي، يهدف إلى معالجة واحدة من أكبر الإشكالات التي تواجه الابتكار في الجزائر، والمتمثلة في ضعف التمويل الموجه للمؤسسات الناشئة والمشاريع التكنولوجية، خاصة تلك التي لا تستطيع الاستفادة من التمويل البنكي التقليدي.
ومن خلال التمويل المباشر عبر المساهمة في رأس مال المؤسسات، تتحول الجامعة إلى شريك اقتصادي حقيقي يرافق المشروع من الفكرة إلى السوق، ويشارك في تحقيق النمو والتوسع، وفق منطق استثماري حديث معمول به في كبرى الاقتصادات القائمة على الابتكار.
رواكسي ورهان تحويل الجامعة إلى قوة اقتصادية
تصريحات مدير جامعة الجزائر 3 البروفيسور خالد رواكسي تعكس رؤية واضحة لتحويل الجامعة إلى مؤسسة منتجة اقتصادياً، وليس مجرد فضاء أكاديمي تقليدي. حديثه عن أن الصندوق ثمرة “إصلاحات عميقة” عرفها القطاع خلال السنوات الثلاث الماضية، يبرز حجم التحول الذي تعيشه الجامعة الجزائرية.
رواكسي لم يكتف بالحديث عن التمويل، بل ركز على بناء منظومة متكاملة للابتكار تشمل أكثر من 119 جامعة، وأكثر من 430 مؤسسة فرعية، وآلاف المشاريع المبتكرة، ما يكشف وجود توجه حقيقي نحو بناء اقتصاد جامعي متكامل.
كما أن تأكيده على الرقمنة الكاملة لمسار التمويل، عبر منصة رقمية تسمح بإيداع الملفات ودراستها ومرافقتها إلكترونياً، يعكس محاولة القطع مع البيروقراطية التقليدية، وتبني منطق السرعة والشفافية والنجاعة في التعامل مع حاملي المشاريع.
جامعة الجزائر 3.. من الإصلاح البيداغوجي إلى الريادة الاستثمارية
التحول الاستثماري الذي تقوده جامعة الجزائر 3 لا ينفصل عن الديناميكية البيداغوجية التي تعرفها الجامعة في السنوات الأخيرة، فالجامعة اشتغلت بالتوازي على تحديث عروض التكوين وربطها بسوق العمل، من خلال إطلاق تخصصات ذات كفاءة مزدوجة وشهادة مزدوجة، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي والرقمنة والإعلام الآلي.
الجامعة نجحت أيضاً في تحقيق سابقة وطنية عبر تسجيل 14 تخصصاً جديداً مزدوجاً، وهو رقم يعكس طموح المؤسسة في استعادة دورها التاريخي كإحدى أهم الجامعات المرجعية في الجزائر.
هذه الإصلاحات البيداغوجية تبدو مكملة للمشروع الاستثماري الجديد، لأن الجامعة التي تسعى لتمويل الابتكار تحتاج في المقابل إلى تكوين كفاءات قادرة على إنتاج مشاريع قابلة للتسويق والاستثمار.
نحو جامعة جزائرية من الجيل الرابع
ما يحدث اليوم داخل جامعة الجزائر 3 يبدو أقرب إلى إعادة تعريف شاملة لمفهوم الجامعة الجزائرية، فالمؤسسة الجامعية لم تعد فقط فضاء للتدريس والبحث، بل أصبحت منصة للابتكار والاستثمار وريادة الأعمال، كما انها تمثل نقطة تحول حقيقية في تاريخ التعليم العالي بالجزائر، خاصة مع توجه الدولة نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا والمؤسسات الناشئة.
كما أن نجاح “صندوق الصناديق” في تمويل المشاريع الجامعية ومرافقتها قد يفتح الباب أمام ظهور جيل جديد من الجامعات الجزائرية القادرة على خلق الثروة، واستقطاب الاستثمارات، والمساهمة في التنمية الاقتصادية، بما ينسجم مع الرؤية الجديدة لجامعة الجيل الرابع التي تراهن عليها الجزائر في المرحلة المقبلة.

