حملت زيارة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، إلى ولاية المدية، ، رسائل تتجاوز التحضير للدخول الجامعي، لتلامس مستقبل الجامعة الجزائرية وطريقة اشتغالها وموقعها في التنمية الوطنية، فالرهان، حسب التوجهات التي جرى بحثها خلال الزيارة، لم يعد مقتصرا على ضمان مقعد بيداغوجي للطالب أو توفير الإقامة والإطعام، وإنما يتجه نحو بناء منظومة جامعية أكثر مرونة، تعتمد التكنولوجيا، وتشجع المبادرة، وتربط المعرفة بالإنتاج الاقتصادي، وتمنح الطالب فضاء متكاملا للتعلم والتكوين والنشاط.
وخلال لقائه بعمداء الكليات وإطارات جامعة المدية، ناقش الوزير عددا من الملفات التي ترتبط مباشرة بمسار تحديث الجامعة، وفي مقدمتها توسيع استخدام الرقمنة في التسيير والخدمات، وتسريع الانتقال إلى نموذج الجامعة 4.0 وجامعة التمكين.
ويأتي هذا التوجه في سياق البحث عن جامعة قادرة على التعامل مع التحولات المتسارعة في التكنولوجيا وسوق العمل، وهو ما يفسر التركيز كذلك على تطوير التكوين الجامعي وجعله أكثر ارتباطًا بالمهارات التي يحتاجها المستقبل.
المقاولاتية والابتكار كأحد المسارات التي يتعين تعزيزها داخل الوسط الجامعي
ومن هذا المنظور، برزت المقاولاتية والابتكار كأحد المسارات التي يتعين تعزيزها داخل الوسط الجامعي، بما يسمح بتحويل أفكار الطلبة ومشاريعهم إلى مبادرات قابلة للتجسيد، ويدعم انتقال الجامعة من إنتاج المعرفة إلى المساهمة في استثمارها وخلق القيمة.
كما شدد الوزير على أهمية امتلاك المؤسسات الجامعية رؤية استشرافية تساعدها على قراءة التحولات المقبلة واتخاذ القرارات المناسبة، إلى جانب تعزيز موقعها الاقتصادي وجعلها طرفا فاعلا في التنمية وإنتاج الثروة.
ولم يكن البعد الدولي غائبا عن النقاش، إذ تم التأكيد على مواصلة تطوير علاقات التوأمة والتعاون مع الجامعات والمؤسسات داخل الجزائر وخارجها، بما يفتح مجالات جديدة للتبادل والخبرة والشراكة، كما جرى التأكيد على تعزيز التكوين باللغة الإنجليزية، باعتبارها أداة تتيح للجامعة والطلبة الوصول إلى نطاق أوسع من المعرفة والتواصل الأكاديمي.
وفي إطار توسيع الاستفادة من المنشآت الجامعية، طُرح العمل بوتيرة تمتد إلى الساعة العاشرة ليلًا، بما يسمح بتوسيع النشاطات الجامعية وعدم حصر الاستفادة من الهياكل في التوقيت التقليدي.
وفي المقابل، أكد بداري أن الحياة الجامعية لا تختزل في الدروس والمحاضرات، حيث تحظى الرياضة والثقافة بمكانة ضمن التصور الجديد للجامعة، باعتبارهما عنصرين ضروريين لتوفير محيط جامعي متوازن.
وعلى أرض الواقع، عاين الوزير عددا من المنشآت التابعة لجامعة المدية، حيث شملت الجولة كلية الحقوق التي خضعت مرافقها لأشغال إعادة تهيئة وتأهيل، وذلك للوقوف على مدى استعدادها لاستقبال الطلبة، كما كانت قاعة المسرح الجامعي محطة أخرى في الزيارة، وهي القاعة التي تتسع لـ1000 شخص، ويمكن أن تشكل فضاءً للنشاطات الثقافية والفنية وإبراز مواهب الطلبة.
وتفقد الوزير أيضا ملحقة المدرسة العليا للأساتذة، حيث تابع ظروف نشاطها ومدى استعدادها للموسم الجامعي المقبل.
الخدمات الجامعية.. الجاهزية لا تقاس بالتقارير
الشق الثاني من الزيارة خصص للخدمات الجامعية، حيث انتقل الوزير إلى عدد من المرافق التابعة لمديرية الخدمات الجامعية بالمدية، لمعاينة وضعيتها قبل التحاق الطلبة،وشملت الجولة المطعم المركزي بعين الذهب، والمطعم المركزي للمسرح، والإقامة الجامعية شواي بن عيسى بمطعمها المدمج، والإقامة الجامعية وزرة.
وفي هذه المرافق، انصب الاهتمام على التفاصيل التي تصنع ظروف إقامة الطالب يوميا، بدءا من مستوى النظافة والأمن، مرورا بجاهزية أماكن الإيواء، وصولًا إلى وتيرة أشغال إعادة التأهيل، حيث جدد الوزير التأكيد على مواصلة العمل على تجديد الإقامات الجامعية القديمة والمتقادمة، بما يسمح بتحسين ظروف الإقامة وتوفير فضاءات أكثر ملاءمة.
كما دعا إلى عدم التعامل مع الإقامة باعتبارها مكانًا للنوم فقط، مؤكدًا ضرورة توفير فضاءات رياضية وثقافية داخل المدن الجامعية، حتى تصبح بيئة متكاملة تساعد الطالب على الدراسة والاستراحة وممارسة هواياته وأنشطته.
وفي سياق التحضير للدخول الجامعي، شدد بداري على أن عملية التأكد من الجاهزية يجب أن تكون ميدانية ودقيقة، وأن تشمل مختلف التفاصيل، من خلال فحص المرافق والسكنات غرفة بغرفة وطابقًا بطابق.
وحظي الإطعام الجامعي بدوره باهتمام خاص خلال الزيارة، حيث أكد الوزير ضرورة رفع مستوى المراقبة المتعلقة بجودة الوجبات ومطابقتها، مع الالتزام بالتوازن الغذائي واحترام شروط النظافة والسلامة الصحية، كما شدد على ضمان سلامة سلسلة التبريد، باعتبارها أحد الشروط الأساسية للحفاظ على سلامة المواد الغذائية وصحة الطلبة.
وتأتي هذه المعاينات في وقت تتواصل فيه التحضيرات للدخول الجامعي، حيث تسعى الوزارة، من خلال المتابعة الميدانية، إلى الانتقال من منطق الإعلان عن الجاهزية إلى التحقق منها على مستوى المنشآت والهياكل والخدمات.

