أولوية للقطاعات الاجتماعية والاستثمار المنتج
وجّهت وزارة المالية من خلال المذكرة التأطيرية للمشروع التمهيدي لقانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2027 إشارات واضحة بشأن توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية خلال المرحلة المقبلة، واضعة قطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين المهني والصحة في صدارة الأولويات، باعتبارها الركائز الأساسية لبناء رأس مال بشري مؤهل وقادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
كما كرّست الوثيقة مواصلة الاستثمار العمومي في هذه القطاعات الحيوية، بالتوازي مع تعزيز الرقمنة وتحسين جودة الخدمات العمومية والحفاظ على البعد الاجتماعي للدولة.
وتأتي هذه التوجهات في ظرف دولي يتسم باستمرار الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية وتقلبات أسواق الطاقة والمواد الأولية، إلى جانب التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي وسلاسل التموين العالمية، ما يفرض على الجزائر تعزيز قدرتها على التكيف وضمان توازناتها المالية مع مواصلة جهود التنمية والاستثمار.
منطق جديد لتسيير المال العام..
وأرست وزارة المالية إطارًا جديدًا لإعداد الميزانية يقوم على ربط النفقات بالأداء والنتائج المحققة، حيث شددت على ضرورة إعداد المقترحات الميزانياتية وفق معايير الفعالية والنجاعة، بدل التركيز على حجم الاعتمادات فقط. ويهدف هذا التوجه إلى ترشيد الإنفاق العمومي وضمان توجيه الموارد المالية نحو البرامج الأكثر تأثيرًا في التنمية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
وفي هذا السياق، دعت الوزارة مختلف الآمرين بالصرف إلى اعتماد مقاربة أكثر دقة في تقدير الاحتياجات، مع تقييم دوري للبرامج والأنشطة المنجزة، بما يضمن مساهمة كل نفقة عمومية في تحقيق الأهداف القطاعية والحفاظ على التوازنات الميزانياتية على المدى المتوسط.
تنويع الإيرادات خارج المحروقات في صدارة الرهانات
وجعلت الدولة من تنويع مصادر الإيرادات أحد أبرز محاور قانون المالية لسنة 2027، من خلال مواصلة دعم القطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتحسين مناخ الأعمال، ومرافقة المؤسسات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
كما تتجه السلطات العمومية إلى تعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في خلق الثروة، عبر تطوير النشاط الصناعي والمناجمي والخدماتي، وزيادة الصادرات خارج المحروقات، واستكمال المشاريع الاقتصادية الكبرى التي من شأنها دعم النمو وخلق مناصب الشغل وتحقيق موارد مالية إضافية للخزينة العمومية.
الأمن الغذائي والمائي.. ورش استراتيجي مفتوح
ومن بين المحاور الكبرى التي تضمنتها التوجيهات الجديدة، مواصلة تعزيز السيادة الغذائية والأمن المائي، من خلال مرافقة المشاريع الفلاحية الهيكلية، خاصة بالمناطق الجنوبية، وتطوير الشعب الزراعية الاستراتيجية ورفع مردودية الإنتاج الوطني.
كما يشمل البرنامج توسيع المساحات المسقية، وزيادة قدرات التخزين والتحويل، وتحسين إنتاج الحبوب، وإنشاء تعاونيات متخصصة، إلى جانب تسريع إنجاز السدود ومحطات تحلية مياه البحر وربط المنشآت المائية ببعضها البعض، مع تحديث شبكات التوزيع وصيانتها لضمان استدامة الموارد المائية.
دعم التعليم والتكوين لبناء اقتصاد المعرفة
وأكدت المذكرة التأطيرية مواصلة المجهودات الاستثمارية الموجهة إلى قطاعات التربية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، مع إعطاء أهمية خاصة لرقمنة الخدمات والإجراءات الإدارية والبيداغوجية وتحسين ظروف التأطير والتكوين.
ويأتي هذا التوجه في إطار الاستثمار في الموارد البشرية باعتبارها المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية، حيث تسعى الدولة إلى توفير منظومة تعليمية وتكوينية أكثر فعالية وقدرة على الاستجابة لمتطلبات سوق العمل والتحولات التكنولوجية المتسارعة، مع الاستغلال الأمثل للهياكل والتجهيزات المتوفرة ورفع مردوديتها التشغيلية.
دعم السكن وتقليص الفوارق بين المناطق
وفي الجانب الاجتماعي، جددت الحكومة التزامها بمواصلة دعم الحصول على السكن بمختلف الصيغ، من خلال تعزيز برامج السكن الاجتماعي والريفي والتجزئات الاجتماعية والسكن الترقوي المدعم، إلى جانب استكمال مشاريع السكن العمومي الجاري إنجازها.
كما أولت الوثيقة أهمية خاصة لتقليص الفوارق التنموية بين مختلف مناطق الوطن، عبر استكمال البرامج التكميلية الموجهة للولايات ودعم الولايات المستحدثة بالاعتمادات الضرورية لضمان السير الحسن للمرافق والخدمات العمومية.
حماية القدرة الشرائية وتعزيز التضامن الوطني
وفي إطار الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، أكدت التوجيهات مواصلة دعم المواد الأساسية واسعة الاستهلاك، والحفاظ على أجهزة المساعدة والتضامن الوطني الموجهة للفئات الاجتماعية الهشة، بما يضمن حماية القدرة الشرائية للمواطنين ومواجهة انعكاسات التقلبات الاقتصادية الدولية.
رقمنة الإدارة وترشيد النفقات
وفي المقابل، شددت وزارة المالية على ضرورة تسريع رقمنة الإدارة العمومية وعصرنة مصالح الدولة، من خلال تطوير البنى التحتية الرقمية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز التبادل الإلكتروني للمعطيات بين الهيئات العمومية، مع تأمين الأنظمة المعلوماتية وتجديد تجهيزات الإعلام الآلي.
كما أكدت على الالتزام الصارم بمبادئ ترشيد النفقات والاستعمال الأمثل للموارد المتاحة، عبر ضبط النفقات الجارية وفق الاحتياجات الحقيقية، وتوسيع اعتماد الشراء الموحّد وتشارك الوسائل بين الإدارات، بما يسمح بتحقيق فعالية أكبر للإنفاق العمومي وتحسين مردودية المال العام.
أولوية لاستكمال المشاريع المتقدمة
وفي مجال الاستثمار العمومي، أقرت وزارة المالية مبدأ إعطاء الأولوية المطلقة لاستكمال المشاريع التي تجاوزت نسبة إنجازها 70 بالمائة، بهدف تسريع دخولها حيز الخدمة وتحقيق المردودية الاقتصادية والاجتماعية المرجوة منها، مع مواصلة دعم المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تشكل رافعة للتنمية الوطنية خلال السنوات المقبلة.

