في خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في دور الجامعة، تعمل اللجنة الوطنية التنسيقية لمتابعة الابتكار وحاضنات الأعمال على تطوير تصور عملي يهدف إلى إدماج الطلبة في عالم ريادة الأعمال عبر الاستفادة من تجارب دولية ناجحة. هذا التوجه يرمي إلى نقل المعرفة من إطارها النظري إلى تطبيقات واقعية تواكب التحولات الاقتصادية الحديثة.
نماذج عالمية كمنطلق لبناء مشاريع محلية
أقدمت اللجنة على تزويد الجامعات الجزائرية بقائمة تضم آلاف الشركات الناشئة العالمية، لتكون مرجعًا تطبيقيًا أمام الطلبة المنخرطين في القرار الوزاري 1275. الفكرة لا تقتصر على الاطلاع، بل تتعداه إلى دراسة هذه النماذج بعمق، وفهم آليات نجاحها، ثم إعادة توظيفها بما يتناسب مع خصوصيات السوق الوطنية.
وتقوم المقاربة المقترحة على مسار تدريجي يبدأ بالتحليل، يليه التكييف، ثم الانتقال إلى التجريب عبر نماذج أولية، في بيئة تأطيرية توفرها حاضنات الأعمال، بمرافقة أكاديمية من الأساتذة لضمان جودة التنفيذ.
إعادة توجيه المسار الجامعي نحو المقاولاتية
دعت اللجنة مختلف الهياكل الجامعية، خاصة خلايا التوجيه ومسؤولي العلاقة مع المحيط الاقتصادي، إلى لعب دور أكثر فاعلية في توجيه الطلبة نحو الخيارات الريادية. ومن المنتظر عقد اجتماعات تقييمية داخل الجامعات بإشراف المسؤولين البيداغوجيين، لقياس أثر آليات التوجيه الحالية وتحديد نقاط تطويرها بما يخدم هذا التوجه.
برامج تكوينية مصممة حسب خصوصية كل جامعة
ضمن هذا المسار، يجري التحضير لإطلاق دورات تكوينية مركزة، تُبنى وفق احتياجات كل مؤسسة جامعية، مع الحرص على تسويقها عبر الوسائط الرقمية لضمان انتشار أوسع. كما سيتم إشراك الأساتذة ومسؤولي التخصصات في إعداد هذه البرامج، لضمان انسجامها مع التكوين الأكاديمي وربطها بالواقع المهني.
تفعيل الهياكل الحاضنة وتحويل الأفكار إلى مشاريع
أكدت اللجنة على ضرورة منح ديناميكية أكبر لملحقات حاضنات الأعمال ومراكز تطوير المقاولاتية، باعتبارها فضاءات أساسية لاحتضان المشاريع في مراحلها الأولى. هذه الهياكل مطالبة بلعب دور محوري في تحويل الأفكار إلى مؤسسات ناشئة قادرة على خلق قيمة اقتصادية حقيقية.
ويُنظر إلى هذه الجهود كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز قابلية توظيف الخريجين، وتحويل الجامعة إلى مصدر لإنتاج الثروة.
تكوين وطني لتعزيز كفاءة المؤطرين
وفي إطار دعم هذا التوجه، سيتم تنظيم دورة وطنية لتأهيل مكوّني مراكز تطوير المقاولاتية بمدينة سطيف، بمشاركة فاعلين من عدة قطاعات. وتندرج هذه المبادرة ضمن شراكة متعددة الأطراف، بالتعاون مع المكتب الدولي للعمل، بهدف توحيد الرؤى وتعزيز فعالية مرافقة المشاريع.
مقاربة شاملة تشمل مختلف القطاعات
لا يقتصر البرنامج على قطاع التعليم العالي فقط، بل يمتد ليشمل مجالات متعددة مثل التكوين المهني، الفلاحة، السياحة، والصناعات التقليدية، في إطار رؤية تكاملية تسعى إلى خلق بيئة وطنية داعمة لريادة الأعمال.
تحول استراتيجي نحو اقتصاد المعرفة
ما يجري اليوم يعكس إرادة واضحة لإعادة تعريف وظيفة الجامعة، لتصبح منصة لإنتاج الأفكار والمشاريع بدل الاكتفاء بالتكوين النظري. فالهدف لم يعد مجرد إدماج الخريجين في سوق العمل، بل تمكينهم من صنع هذا السوق بأنفسهم، والمساهمة في بناء اقتصاد يرتكز على الابتكار والمعرفة.

