وضعت وزارة التربية الوطنية اللمسات التنظيمية الأخيرة للموسم الدراسي 2026-2027، من خلال حزمة واسعة من التدابير التي تتجاوز مجرد التحضير اللوجيستي للدخول المدرسي، لتؤسس لمسار جديد يقوم على تحسين نوعية التعلمات، توسيع الرقمنة، رعاية الموهبة، الحد من التسرب المدرسي، وتعزيز التكفل بالفئات ذات الاحتياجات الخاصة.
وتأتي هذه التوجهات ضمن منشور أعدته الوزارة استنادًا إلى مخرجات الندوة الوطنية الخاصة بتحضير الدخول المدرسي، المنعقدة يومي 25 و26 جويلية 2026، وبما ينسجم مع مخطط عمل القطاع للفترة الممتدة بين 2025 و2029، حيث جعلت الوزارة من ضمان دخول مدرسي منظم وتهيئة ظروف أفضل للتمدرس مدخلًا لإحداث تحسينات أعمق في أداء المنظومة التربوية.
الإنجليزية والذكاء الاصطناعي في صلب الموسم الجديد
يحمل الموسم الدراسي المقبل جملة من المستجدات البيداغوجية، في مقدمتها اعتماد منهاج جديد للغة الإنجليزية في السنة الثانية من التعليم المتوسط، بالتوازي مع مواصلة تعزيز تدريس هذه اللغة وتوفير الوسائل البيداغوجية الضرورية لمواكبة البرنامج الجديد.
وفي الاتجاه نفسه، تراهن الوزارة على توسيع استعمال التكنولوجيات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل العملية التعليمية، بما يسمح بتطوير طرق التدريس وتحسين الاستفادة من الوسائل الرقمية في مختلف مراحل التعليم.
كما يحتل التميز العلمي والابتكار المدرسي مكانة بارزة في البرنامج الجديد، من خلال مواصلة رعاية التلاميذ الموهوبين وتشجيع المؤسسات على خلق بيئة محفزة على الإبداع والمنافسة العلمية.
منافسة وطنية بين الثانويات وجائزة جديدة للابتكار
وتسعى الوزارة إلى إعطاء دفع جديد للمنافسة العلمية بين المؤسسات التربوية، عبر إطلاق الطبعة الثانية من المسابقة الوطنية «بين الثانويات»، إلى جانب تنظيم الطبعة الثانية من جائزة الابتكار المدرسي.
وتندرج هذه المسابقات ضمن رؤية تستهدف تحويل المؤسسة التعليمية إلى فضاء لا يقتصر على تلقي المعارف، وإنما يشجع كذلك على المبادرة والبحث والإبداع وإبراز قدرات التلاميذ.
وبالتوازي مع ذلك، تتضمن الخطة تعزيز إدماج والتكفل بالتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب التلاميذ المرضى الذين يضطرون إلى الإقامة لفترات طويلة في المستشفيات ومراكز العلاج.
تحريك الرياضة المدرسية والثقافة ومواجهة التسرب

وتشمل خارطة الموسم الجديد مواصلة بعث الرياضة المدرسية وترقية الصحة في الوسط المدرسي، إلى جانب تكثيف الحملات التحسيسية الموجهة إلى مختلف أفراد الجماعة التربوية، وعلى رأسهم التلاميذ.
كما تراهن الوزارة على توسيع حضور الأنشطة الثقافية والفنية في المؤسسات التعليمية، مع إطلاق المسابقة الوطنية للمسرح المدرسي، في وقت سيتم فيه تعزيز التدابير الوقائية الرامية إلى الحد من التسرب المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة.
مسح شامل للمؤسسات لمعالجة الاكتظاظ ونقص الحجرات
وفي الجانب التنظيمي، ستخضع المؤسسات التعليمية التي تعرف نقصًا في الحجرات الدراسية أو ضغطًا في أعداد التلاميذ داخل الأفواج إلى مسح شامل، بهدف تحديد النقائص واقتراح حلول عملية تتلاءم مع خصوصية كل مؤسسة ومنطقة، وتتضمن الإجراءات كذلك مواصلة توسيع فتح أقسام التربية التحضيرية، بما يدعم مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم.
كما أعطت الوزارة تعليمات لضبط الأفواج المستفيدة من تدريس اللغة الأمازيغية في مختلف المراحل التعليمية، مع فتح أقسام جديدة في الولايات التي تعرف طلبًا على تدريسها، إضافة إلى ضبط الأفواج الخاصة بالتربية الفنية، سواء في شقها التشكيلي أو الموسيقي.
وفي المناطق التي تعرف تعدادًا ضعيفًا جدًا للتلاميذ، سيتم اللجوء إلى تشكيل أقسام متعددة المستويات، مع الحرص على توزيع المناصب الإدارية والبيداغوجية بطريقة عقلانية وعادلة تضمن تغطية مختلف المواد والمستويات، لاسيما في المناطق النائية والمعزولة.
مراجعة في تنظيم التعليم الابتدائي ومعالجة التعثرات
وعلى مستوى التعليم الابتدائي، تتضمن التدابير الجديدة مراجعة التنظيم البيداغوجي للسنة الثالثة، واعتماد الهيكلة الجديدة للمواد والمواقيت الخاصة بالسنة الرابعة.
كما ستتواصل عمليات معالجة صعوبات التعلم التي كشفت عنها نتائج تقييم مكتسبات التلاميذ في السنتين الثالثة والخامسة، مع اعتماد النتائج المسجلة في تقييمات نهاية الطورين الأول والثاني لتحديد النقائص ووضع خطط المعالجة المناسبة.
وستستمر عملية التخطيط للمعالجة المهيكلة للتعلمات وتنفيذها وفق نتائج تقييم مكتسبات السنة الخامسة ابتدائي، على أن ترفع تقارير حول هذه العمليات إلى الجهات المركزية المختصة.
المتوسط أمام مستجدات بيداغوجية جديدة
وفي التعليم المتوسط، وجهت الوزارة تعليمات لتوفير الوثائق البيداغوجية اللازمة للمؤسسات، سواء في صيغتها الورقية أو الرقمية، وضمان وصولها إلى الأساتذة.
ويأتي في مقدمة هذه الوثائق الدليل الديداكتيكي لتدريس اللغة الإنجليزية للسنة الثانية متوسط، إلى جانب مخططات التعلم السنوية التي تم اعتمادها وفق المستجدات الجديدة.
كما ستتواصل المعالجة البيداغوجية للصعوبات المسجلة لدى التلاميذ، مع الاستناد إلى نتائج تقييم مكتسبات السنة الخامسة ابتدائي، فضلًا عن وضع الدليل المنهجي للأعمال الموجهة في مرحلة التعليم المتوسط حيز التنفيذ، ومرافقة الأساتذة من قبل المفتشين في تطبيقه.
تشديد الرقابة على التوجيه وإعادة التوجيه
وفي ملف التوجيه المدرسي والمهني، شددت الوزارة على ضرورة الالتزام بالإجراءات التنظيمية المتعلقة بإعادة التوجيه في التعليم الثانوي العام والتكنولوجي في إطار الجسور.
وسيتم الاعتماد بشكل أكبر على المشروع الشخصي للتلميذ، باعتباره أداة لمساعدته على تحديد اختياراته الدراسية والمهنية وفق ميوله وقدراته واستعداداته، مع تعزيز التوجيه التدريجي نحو مختلف الشعب والمسارات ابتداء من السنة الأولى ثانوي.
كما دعت الوزارة إلى احترام ملامح التوجيه الخاصة بشعب السنة الثانية ثانوي، وتشجيع التلاميذ الذين تتناسب قدراتهم مع متطلبات المسارين على الالتحاق بشعبتي الرياضيات والهندسة.
وفي المقابل، وضعت الوزارة ضوابط صارمة لمنع تغيير الشعب خارج الآجال والأطر القانونية، أو عقد مجالس أقسام استثنائية خارج التنظيم المعمول به، كما يتعين عقد مجالس القبول ولجان الطعن في مواعيدها وتسوية الوضعيات العالقة قبل نهاية جويلية 2027، مع ضمان إعلام التلاميذ وأوليائهم بالقرارات في آجال مناسبة.
ومن المقرر كذلك تنظيم الأسبوع الوطني للإعلام والتوجيه المدرسي والمهني مرتين خلال السنة، مع تفعيل آليات التنسيق بين قطاعي التربية الوطنية والتكوين والتعليم المهنيين.
التوحد والصم.. توسيع التكفل داخل المؤسسات
وأفردت الوزارة حيزًا مهمًا للتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال اعتماد حقيبة خاصة بمرافقة التلاميذ الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد في مرحلة التعليم الابتدائي، مع العمل على توسيع التكفل البيداغوجي بهم داخل المؤسسات.
كما سيتم التنسيق مع قطاع التضامن الوطني لفتح أقسام خاصة وفق الاحتياجات المسجلة، إلى جانب تحسين تشخيص حالات صعوبات التعلم والتأخر الدراسي وتوجيه أصحابها إلى أقسام التعليم المكيف.
وفي خطوة تستهدف توسيع العرض التربوي المخصص للتلاميذ الصم، تقرر العمل على فتح قسم خاص بالتلاميذ الصم في ثانوية واحدة على الأقل بكل ولاية، كما سيتم اعتماد الأرضية الرقمية للوزارة في تسيير هذه الأقسام، بما يشمل عمليات التسجيل والمتابعة والجوانب الإدارية والبيداغوجية.
أقسام داخل المستشفيات لمرافقة التلاميذ المرضى
ولن يقتصر التكفل على المؤسسات التعليمية، إذ تتضمن الخطة توسيع شبكة الأقسام المفتوحة داخل المستشفيات ومراكز العلاج، وفق التراخيص المطلوبة، بما يسمح للتلاميذ الذين تفرض أوضاعهم الصحية إقامة طويلة بمواصلة الدراسة.
وستعمل الوزارة على توفير تعليم مكيف يتناسب مع الحالة الصحية لكل تلميذ، مع ضبط التأطير من أساتذة ومشرفين، وتعزيز التنسيق مع قطاع الصحة.
كما تشمل الإجراءات تحسين الدعم التربوي والنفسي وإدماج تكنولوجيات الإعلام والاتصال، إلى جانب توسيع المرافقة المدرسية للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.
تقويم تشخيصي منذ الأسبوع الأول

ومن أبرز التدابير التي سترافق الدخول المدرسي الجديد، تنظيم تقويم تشخيصي لجميع التلاميذ خلال الأسبوع الأول، بهدف الوقوف مبكرًا على مستوى التحكم في التعلمات الأساسية وتحديد الصعوبات والنقائص التي تحتاج إلى معالجة، وستستغل نتائج هذا التقويم في إعداد برامج الدعم والمعالجة البيداغوجية منذ الأسابيع الأولى من السنة الدراسية، بدل انتظار تراكم التعثرات إلى نهاية السنة، كما سيتم إيلاء عناية خاصة بالتلاميذ الذين يواجهون صعوبات في التعلم أو تظهر لديهم مؤشرات تنذر بخطر الانقطاع عن الدراسة، من خلال توفير مرافقة تساعد على استدراك التعلمات وتعزيز اندماجهم في المسار الدراسي.
منطق جديد لتقييم مكتسبات التلاميذ
وفي إطار تطوير منظومة التقييم، تتجه الوزارة إلى الجمع بين العلامة العددية والملاحظات الوصفية في تقييم مكتسبات تلاميذ التعليم الابتدائي، بما يسمح بتقديم قراءة أكثر شمولًا لمستوى التلميذ.
وسيساعد هذا الأسلوب الأساتذة والأولياء على تحديد مكامن القوة ومواطن الضعف بدقة، وبناء برامج دعم أكثر ملاءمة للاحتياجات الفعلية لكل تلميذ.
كما تشمل عملية تطوير التقييم مراجعة أدواته بما يتماشى مع المناهج الجديدة والأطر المرجعية، وربطها بالكفاءات الختامية والحد الأدنى من التعلمات الأساسية، مع تعزيز تكوين الأساتذة في تصميم أدوات التقويم وفق المقاربة بالكفاءات.
النتائج المدرسية تحت المجهر
وتتجه الوزارة أيضًا إلى جعل نتائج التقييم أداة لاتخاذ القرار، من خلال استثمار نتائج التقويم التشخيصي والتقويمات الفصلية في إعداد خطط الدعم، إلى جانب تحليل النتائج المدرسية الفصلية والسنوية ونتائج تقييم المكتسبات وامتحاني شهادة التعليم المتوسط والبكالوريا بصورة دورية، وسيتم إعداد دراسات تتضمن مؤشرات الأداء ونقاط القوة ومواطن الصعوبة، ورفعها إلى الجهات المركزية المختصة، مع اقتراح إجراءات تصحيحية عند الحاجة.
وبذلك، يبدو أن الدخول المدرسي 2026-2027 لا يُطرح باعتباره مجرد موعد إداري لاستئناف الدراسة، بل كمرحلة لإعادة ضبط عدد من المسارات البيداغوجية والتنظيمية، من خلال الانتقال من معالجة الصعوبات بعد ظهورها إلى رصدها مبكرًا، وربط التقييم بالدعم، وتوسيع الرقمنة، وتشجيع الابتكار، وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص داخل المدرسة الجزائرية.

