بعيدًا عن الطرح التقليدي، يطرح برنامج “سجل ومحطات” عبر أثير إذاعة الجزائر من بسكرة وأولاد جلال نقاشًا عميقًا حول واحدة من أخطر أدوات الاستعمار، والمتمثلة في الغزو الفكري والثقافي الذي استهدف هوية المجتمع الجزائري.
وفي هذا الإطار، حلّ الأستاذ زياني نبيل، أستاذ تاريخ الحضارة بجامعة محمد خيضر، وممثل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ببسكرة، ضيفًا على البرنامج.
و قدّم زياني نبيل قراءة تحليلية لمساعي الاستعمار الفرنسي في طمس المقومات الدينية واللغوية والوطنية، وكشف عن مختلف آليات المقاومة الفكرية التي قادتها النخب الإصلاحية للحفاظ على الشخصية الجزائرية.
سؤال: بدايةً أستاذ زياني، كيف يمكن تعريف الغزو الفكري والثقافي الذي مارسه الاستعمار الفرنسي في الجزائر؟
زياني نبيل: الغزو الفكري والثقافي هو جملة من المخططات غير العسكرية، ذات أبعاد ثقافية وسياسية ولغوية، اعتمدها الاستعمار الفرنسي بهدف السيطرة على المجتمع الجزائري، حيث أدرك أن التحكم في الأرض يبدأ بالتحكم في الفكر والهوية.
سؤال: هل كان هذا التوجه واضحًا منذ بداية الاحتلال؟
زياني نبيل: نعم، فقد صرحت فرنسا منذ البداية بأنها تسعى إلى استبدال الإسلام بالمسيحية، واللغة العربية بالفرنسية، وهو ما يعكس استراتيجية ممنهجة لضرب مقومات الهوية الجزائرية.
سؤال: ما أبرز مظاهر هذا الغزو خلال فترة الاستعمار؟
زياني نبيل: تجسد ذلك في توقيف التعليم الأصلي في الكتاتيب والمدارس القرآنية، وتدمير المساجد والزوايا أو تحويلها إلى مرافق استعمارية، إضافة إلى تقليص عدد المساجد بشكل كبير، كما حدث في قسنطينة التي تراجع فيها العدد من 360 إلى نحو 30 فقط خلال ثلاثين سنة.
سؤال: وماذا عن الجانب اللغوي والديني؟
زياني نبيل: عمل الاستعمار على فرض اللغة الفرنسية كوسيلة للهيمنة الثقافية، مع استهداف مباشر للدين الإسلامي ومحاولات لنشر المسيحية، إلى جانب فرض قوانين تخدم المشروع الاستعماري، ومحاربة الهوية الوطنية عبر التعليم والإعلام ونشر أفكار مغلوطة.
سؤال: كيف يمكن توصيف هذا الوضع؟
زياني نبيل: يمكن اعتباره استعمارًا ثانيًا، لأنه يستهدف القضاء التدريجي على الهوية، وليس فقط السيطرة على الأرض.
سؤال: كيف كان رد فعل الجزائريين أمام هذا الغزو؟
زياني نبيل: تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كخط دفاع أساسي، رغم الظروف الصعبة من حصار وقلة الإمكانيات، حيث وضعت خطة شاملة لإحياء الهوية الوطنية والدينية.
سؤال: ما أبرز جهود الجمعية في هذا الإطار؟
زياني نبيل: عملت على الحفاظ على الهوية الدينية وتوعية الشعب، وأسست المدارس الحرة لتعليم العربية والقرآن، حيث أنشأت نحو 150 مدرسة، وبلغ عدد التلاميذ 20 ألف سنة 1947، ثم 40 ألف عشية الثورة.
سؤال: وهل اقتصر دورها على التعليم فقط؟
زياني نبيل: لا، بل شمل تأليف الكتب لتصحيح العقيدة، وإصدار صحف ومجلات مثل “البصائر” و”الشهاب” و”المنتقد” و”الصراط” و”السنة”، إضافة إلى تنظيم الخطابة والدعوة، وتنقل العلماء بين مختلف المناطق.
سؤال: هل كان هناك اهتمام بتكوين النخب؟
زياني نبيل: نعم، أرسلت الجمعية بعثات علمية إلى الخارج، خاصة إلى الأزهر وتونس، لتكوين نخبة قادرة على مواجهة الغزو الفكري بأساليب حديثة.
سؤال: وماذا عن دور المجتمع بمختلف فئاته؟
زياني نبيل: اهتمت الجمعية بجميع الفئات، رجالًا ونساءً وشبابًا، عبر النوادي، كما ساهمت في تأسيس الكشافة الإسلامية مثل “الترقي” و”الاتحاد”.
سؤال: هل كان لشخصيات تاريخية دور في تثبيت الهوية؟
زياني نبيل: بالتأكيد، الأمير عبد القادر لعب دورًا مهمًا، حيث اشترط في اتفاقياته مع فرنسا السماح للمسلمين بممارسة شعائرهم، كما كان يحرص على نشر الوعي من خلال الدروس في المناسبات المختلفة.
سؤال: وكيف تواصل الجمعية دورها اليوم؟
زياني نبيل: تواصل الجمعية جهودها في مواجهة أشكال الغزو الفكري الحديث، من خلال الحفاظ على الدين، ومحاربة التشكيك، وصون اللغة العربية، والتصدي للتقليد الأعمى للغرب.
سؤال: ما أبرز التحديات الثقافية المعاصرة؟
زياني نبيل: من أبرزها انتشار أنماط استهلاكية وثقافية دخيلة، والانبهار بالثقافات الأجنبية، وهو ما يستدعي وعيًا جماعيًا للحفاظ على الهوية الوطنية.
سؤال: كلمة أخيرة؟
زياني نبيل: تبقى حماية الهوية الوطنية والدينية مسؤولية جماعية، والجمعية مستمرة في تعزيز كل ما يخدم الأمة الجزائرية ويحافظ على أصالتها.

