بادرت نقابة النفسانيين إلى توجيه مراسلة رسمية إلى وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي، تقترح من خلالها استحداث مادة تعليمية جديدة تحت تسمية “التربية النفسية” ضمن المناهج الوطنية، لتشمل مختلف الأطوار التعليمية: الابتدائي، المتوسط، والثانوي، على أن يتولى تدريسها أخصائيون مؤهلون في علم النفس العيادي وعلم النفس المدرسي.
وجاء في مضمون المراسلة، التي حملت طابعًا تربويًا وعلميًا، أن النقابة لا تكتفي بدورها كقوة مطلبية فحسب، بل تؤكد أيضًا على كونها قوة اقتراح تسعى للمساهمة في تطوير المنظومة التربوية الوطنية ومرافقة التحولات النفسية والاجتماعية التي يشهدها الوسط المدرسي.
دوافع تربوية مرتبطة بالتحولات النفسية والاجتماعية
وأوضحت النقابة أن هذا المقترح يأتي استجابة مباشرة للتحولات المتسارعة التي يعيشها التلميذ اليوم، في ظل تزايد المظاهر السلوكية والنفسية داخل المدرسة، وعلى رأسها العنف المدرسي، والتنمر، والقلق، والاكتئاب، وضعف مهارات التواصل، وصعوبات التكيف والانضباط، إضافة إلى انتشار بعض السلوكات المرتبطة بالإدمان، فضلاً عن الضغوط النفسية والدراسية التي تتفاقم خلال فترات الامتحانات الرسمية والوطنية.
وأكدت أن المدرسة الحديثة لم تعد فضاءً لنقل المعرفة فقط، بل أصبحت مطالبة ببناء شخصية متوازنة للتلميذ، قادرة على التواصل السليم، وضبط الانفعالات، واتخاذ القرار، والتكيف مع الضغوط، في سياق اجتماعي وثقافي وتكنولوجي متغير بشكل متسارع، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين.
أهداف “التربية النفسية” داخل المؤسسة التعليمية
ويرتكز المقترح على جملة من الأهداف التربوية والنفسية التي تسعى إلى تعزيز الصحة النفسية داخل الوسط المدرسي، وترسيخ التوازن النفسي والانفعالي لدى التلميذ، إلى جانب تنمية مهارات التواصل والحوار واحترام الآخر، والوقاية من مظاهر العنف والتنمر والإدمان.
كما يهدف المشروع إلى تعزيز الثقة بالنفس وتقدير الذات، وتطوير الذكاء العاطفي والاجتماعي، وتعليم مهارات حل المشكلات واتخاذ القرار، وتحسين التكيف المدرسي والاجتماعي، وترسيخ ثقافة الوقاية النفسية داخل المؤسسات التربوية، مع مرافقة التلميذ نفسيًا خلال مختلف مراحل نموه، ودعمه في مواجهة الضغوط الدراسية المرتبطة بالحياة المدرسية والامتحانات.
محور خاص بالتربية النفسية للامتحانات
وتقترح النقابة أن تتضمن المادة محورًا أساسيًا خاصًا بـ”التربية النفسية المعرفية للامتحانات”، نظرًا لما يعانيه عدد كبير من التلاميذ من قلق الامتحانات وصعوبات في التركيز والتذكر، وضعف في التحكم الانفعالي، خصوصًا خلال امتحاني شهادة التعليم المتوسط وشهادة البكالوريا.
ويهدف هذا المحور إلى تمكين التلميذ من التحكم في القلق والتوتر أثناء الامتحانات، وتطوير تقنيات التركيز والانتباه، والتعرف على استراتيجيات الحفظ والتذكر والاسترجاع المعرفي، إضافة إلى تنظيم الوقت وبرمجة المراجعة الفعالة، والتحكم في الأفكار السلبية والخوف من الفشل، واكتساب مهارات الاستعداد النفسي للاختبارات، مع التدريب على تقنيات الاسترخاء والتنفس والتحكم الانفعالي، إلى جانب تعلم طرق التعامل مع ورقة الامتحان وتجاوز التشويش الذهني أثناء الاختبار.
انسجام مع التوجهات التربوية الدولية
وشددت النقابة على أن هذا المقترح ينسجم مع التوجهات الحديثة في عدد من الأنظمة التربوية عبر العالم، التي دمجت التربية النفسية والتعلم الاجتماعي العاطفي والصحة النفسية ضمن المناهج التعليمية باعتبارها جزءًا أساسيًا من جودة التعليم والوقاية الاجتماعية.
وأشارت في هذا السياق إلى تجارب دولية رائدة مثل فنلندا وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا وسنغافورة، حيث يتم تدريس مهارات التواصل وإدارة الانفعالات والوقاية من العنف والتنمر والتكيف النفسي والاجتماعي ضمن برامج مدرسية منظمة ومؤطرة.
كما استندت إلى توصيات منظمة الصحة العالمية واليونسكو التي تدعو إلى إدماج الصحة النفسية في السياسات التربوية، وتطوير برامج وقائية داخل المؤسسات التعليمية لمواجهة التحديات النفسية والسلوكية لدى التلاميذ.
تدريس متخصص ومقاربات بيداغوجية حديثة
وأكدت النقابة أن تدريس هذه المادة ينبغي أن يُسند إلى الأخصائي النفساني باعتباره المؤهل علميًا ومهنيًا للتعامل مع الجوانب النفسية والانفعالية والسلوكية للتلميذ، وتطبيق البرامج الوقائية والتربوية وفق أسس علمية دقيقة.
كما دعت إلى اعتماد مقاربات بيداغوجية تفاعلية تقوم على الحوار والمناقشة، ولعب الأدوار، ودراسة الحالات الواقعية، والورشات التطبيقية، والعمل الجماعي، والتربية بالممارسة، إلى جانب المقاربة الوقائية.
واقترحت أيضًا إدراج تقنيات نفسية وتربوية متخصصة، تشمل تعديل السلوك، والتعبير الانفعالي، وتمارين الاسترخاء والتنفس، وتقنيات التحكم في القلق والانفعالات، وتدريبات التركيز والانتباه والتذكر، والخرائط الذهنية وتنظيم المراجعة، إضافة إلى التدريب على مهارات التواصل وحل النزاعات.
تقييم تكويني بدل الامتحان التقليدي
وفي ما يتعلق بالتقييم، دعت النقابة إلى اعتماد تقييم تكويني وتحفيزي يركز على تطور المهارات النفسية والاجتماعية والسلوكية لدى التلميذ، بعيدًا عن النمط التقليدي القائم على الامتحانات الكلاسيكية فقط، بما يسمح بقياس فعلي للتطور الشخصي والسلوكي للتلميذ داخل المدرسة.
دعوة لدراسة المقترح في الإصلاحات المستقبلية
واختتمت النقابة مراسلتها بالتأكيد على أهمية دراسة هذا المقترح بعناية من طرف وزارة التربية الوطنية، وإمكانية إدراجه ضمن الإصلاحات التربوية المستقبلية، باعتباره خطوة استراتيجية تهدف إلى بناء جيل متوازن نفسيًا، واعٍ اجتماعيًا، وقادر على مواجهة تحديات الحياة المعاصرة بثبات ووعي وانضباط.

