في ظل تسارع التحولات العالمية نحو الاقتصاد الرقمي، بات الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المؤشرات التي تُقاس بها قوة الدول وقدرتها على التأثير في مستقبل التكنولوجيا والابتكار. وفي هذا السياق، برزت الجزائر كفاعل إقليمي صاعد يلفت انتباه مراكز البحث الدولية، بفضل مسار استراتيجي يربط بين تطوير التعليم العالي، وتعزيز البحث العلمي، وتوسيع الشراكات التكنولوجية. وقد تناول تقرير حديث صادر عن معهد “New Lines Institute” الأمريكي بواشنطن هذا التحول، معتبرا أن الجزائر تمتلك مقومات تؤهلها للعب دور محوري في شمال إفريقيا خلال السنوات المقبلة.
انتقال تدريجي نحو اقتصاد قائم على المعرفة
أشار التقرير إلى أن الجزائر تشهد تحولا بنيويا في نموذجها التنموي، حيث تتجه من الاعتماد التقليدي على الموارد الطاقوية إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعا يقوم على التكنولوجيا والمعرفة. ويرى التقرير أن هذا التحول لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى رؤية استراتيجية تشمل إدماج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الحيوية، بما يعزز القدرة التنافسية للدولة على المستويين الإقليمي والدولي.
رؤية وطنية متعددة الأبعاد للتكنولوجيا
وبحسب المعطيات التي تضمنها التقرير، تعتمد الجزائر مقاربة شاملة في تطوير مجال الذكاء الاصطناعي، تقوم على الربط بين التعليم العالي، البحث العلمي، الأمن السيبراني، الفلاحة الذكية، وقطاعات الطاقة والصحة. ويؤكد التقرير أن هذا التنوع في التوجهات يعكس رغبة واضحة في بناء منظومة رقمية متكاملة قادرة على دعم التنمية الاقتصادية وتحسين جودة الخدمات العمومية.
قاعدة تعليمية قوية في مجال علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي
وفي الجانب الأكاديمي، أبرز التقرير أن الجزائر تمتلك قاعدة تعليمية قوية في مجال علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، حيث يتابع أكثر من 57 ألف طالب تكوينهم في هذا التخصص عبر 74 برنامجا للماستر موزعة على 52 جامعة. ويعتبر هذا المعطى مؤشرا على حجم الاستثمار في تكوين الكفاءات العلمية القادرة على قيادة التحول الرقمي مستقبلا.
كما صنف التقرير الجزائر ضمن أفضل خمس دول إفريقية في مجال الإنتاج العلمي، مشيرا إلى وجود باحثين جزائريين ضمن قائمة أعلى 2 بالمائة من العلماء الأكثر تأثيرا على المستوى العالمي، وهو ما يعزز مكانتها ضمن المشهد البحثي الدولي.
طموح كبير في تكوين الكفاءات الرقمية وبولوغ حوالي 500 ألف مختص بحلول سنة 2030
وفي سياق دعم الموارد البشرية، أشار التقرير إلى أن الجزائر تستهدف تكوين حوالي 500 ألف مختص في تكنولوجيا الإعلام والاتصال بحلول سنة 2030، في إطار استراتيجية تهدف إلى سد الفجوة في الكفاءات الرقمية ومواكبة الطلب المتزايد على الخبرات التكنولوجية.
كما توقع التقرير أن يشهد سوق الذكاء الاصطناعي في الجزائر نموا متسارعا، حيث يُرتقب أن ينتقل من نحو 500 مليون دولار سنة 2025 إلى ما يقارب 1.7 مليار دولار بحلول 2030، ما يعكس ديناميكية متصاعدة في هذا القطاع.
تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية
ويرى التقرير أن الذكاء الاصطناعي سيشكل أداة أساسية في تطوير قطاعات استراتيجية داخل الجزائر، من بينها الفلاحة، الصحة، الطاقة، والصناعة. كما من شأنه أن يساهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين الأداء الاقتصادي، إلى جانب دعم جهود تنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات.
موقع استراتيجي وشبكة شراكات دولية
وسلط التقرير الضوء على الموقع الجغرافي الذي تتمتع به الجزائر بين أوروبا وإفريقيا، باعتباره عاملا يمنحها فرصة للتحول إلى مركز إقليمي في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما أشار إلى توسع شراكاتها الدولية مع دول من بينها الولايات المتحدة، الصين، وإيطاليا، في إطار بناء استقلالية تكنولوجية طويلة المدى.
تحول لغوي يعزز الانفتاح الأكاديمي
وفي الجانب التعليمي، رصد التقرير توجها متزايدا داخل الجامعات الجزائرية نحو اعتماد اللغة الإنجليزية في التدريس والبحث العلمي، معتبرا أن هذا التحول يندرج ضمن مقاربة تهدف إلى تعزيز الانفتاح على المنظومة العلمية العالمية وتوسيع فرص التعاون الأكاديمي.
وفي هذا السياق، أظهر التقرير أن 94.3 بالمائة من المشاركين في استفتاء جامعي دعموا اعتماد الإنجليزية في التعليم العالي، ما يعكس تغيرا تدريجيا في البيئة الجامعية نحو مزيد من الاندماج الدولي.
الجزائر على أعتاب دور إقليمي مؤثر
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن الجزائر مرشحة خلال السنوات القادمة لتكون من بين أكثر الدول تأثيرا في مجال التكنولوجيا داخل منطقة المغرب العربي والساحل، مستفيدة من تراكماتها في التعليم، وبنيتها البحثية، وموقعها الجيوسياسي، إلى جانب استراتيجيتها الرقمية متعددة الأبعاد التي تؤهلها للعب دور محوري في مستقبل الذكاء الاصطناعي إقليميا.

